الشنقيطي
133
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله « إن الخضر ليس مشاهدا الناس ، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا » يقال فيه : إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين : الأولى - أن دعوى كون الخضر محجوبا عن أعين الناس كالجن والملائكة - دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها ، لأن الأصل أن بني آدم يرى بعضهم بعضا لاتفاقهم في الصفات النفسية ، ومشابهتهم فيما بينهم . الثانية - أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم ، فاللّه الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو « هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة » عالم بالخضر ، وبأنه نفس منفوسة . ولو سلمنا جدليا أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون . وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم - فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود . خلافا لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق . قال صاحب جمع الجوامع في « مبحث العام » ما نصه : والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته . فقوله : « النادرة وغير المقصودة » ، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة . وقوله : « تحته » يعني العام . والحق أن الصورة النادرة ، وغير المقصودة صورتان واحدة ، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق ؛ لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة . والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة . ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها - فيهما اختلاف العلماء في جواز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الخيل . وإيضاحه - أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن « 1 » والإمام أحمد « 2 » من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر » ولم يذكر فيه ابن ماجة « أو نصل » والخيل ذو خف ، وهو صورة نادرة . فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيلة . والسبق المذكور هو المال المجعول للسابق . وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام . قال : لأن قوله : « إلا في خف » نكرة في سياق الإثبات ؛ لأن ما بعد « إلا » مثبت ، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم . وجعله بعض أهل الأصول مثالا لدخول الصورة النادرة في العام . قال الشيخ زكريا : وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حيز الشرط معنى ، إذ التقدير : إلا إذا كان في خف . والنكرة في سياق الشرط نعم ، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي : أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبا ببال المتكلم لندرة وقوعه . ومن أمثلة
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في الجهاد حديث 2574 ، والترمذي في الجهاد حديث 1700 ، والنسائي في الخيل ، باب السبق ، وابن ماجة في الجهاد حديث 2878 . ( 2 ) المسند 2 / 256 ، 358 ، 425 ، 474 .